اقتحام الدورة الاقتصادية أساس تحرير المرأة
وتعد تونس حاليا 18 ألف امرأة صاحبة مؤسسة اقتصادية
لا يختلف المتابعون للشأن التونسي على اعتبار المرأة التونسية شخصية تحمل من قوة الإرادة ومن الفرادة ما يميزها عن مثيلاتها العربيات وهو ما يعكس الى حد بعيد ثورية المدونة القانونية وجدية الدعم السياسي والاقتصادي وكافة أشكال المساندة التي ضمنت لها الانخراط الفعلي في المشروع التنموي التونسي.
وتعد تونس حاليا 18 ألف امرأة صاحبة مؤسسة اقتصادية. وبلغ عدد النساء صاحبات المال والأعمال حوالي عشرة آلاف امرأة. كما أن 13 بالمائة من المشاريع في تونس العاصمة تديرها نساء.
وتحظى المرأة التونسية اليوم، بفضل التوجيه الواضح، بموقع أساسي في المجتمع الذي يرتقي بالعلاقات بين الجنسين إلى مستوى الشراكة. فهي متعلمة، متكافئة مع الرجل، تتحمل المسؤوليات في ميدان العمل وفي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويرى مراقبون أن نجاح تونس في اقحام المرأة التونسية في الدورة الاقتصادية هو أساس تحرير المرأة لانه يخرجها من بوتقة الدور التقليدي الذي يقتصر على اعادة انتاج المجتمع "انجاب وتنشئة أطفال وشؤون منزلية وأشغال فلاحية وغيرها من الاعمال التي تبقى خارج اطار التبادل التجاري".
وبالفعل نجحت تونس عن جدارة في كسب رهان تعليم المرأة. وكان من مؤشرات ذلك ان حققت واحدة من أرفع نسب التعليم للالتحاق بالمدارس في العالم. فقد ارتفعت نسبة تعليم الفتيات في سن 6 سنوات الى اكثر من 99%، وفي التعليم الثانوي الى 78%، وفي التعليم العالي الى 59 % فضلا عن ارتفاع نسبة انخراط الفتيات في منظومة التدريب المهني الى 37% وتراجع الامية في صفوف النساء خلال سنوات قليلة بنسبة 44% نتيجة لما حققه البرنامج الوطني "لتعليم الكبار" الذي أطلقه الرئيس التونسي بن علي خلال السنوات القليلة الماضية.
وبالتوازي مع ذلك تمكنت المرأة التونسية من الانخراط في مجتمع المعرفة والاقتصاد اللامادي واستيعاب التكنولوجيات الحديثة حيث تطوّرت نسبة الطالبات المتخصصات في تكنولوجيات الاتصال والمعلومات من 28% سنة 1999 الى 40% سنة 2004. كما تبلغ نسبة النساء العاملات بهذا القطاع 27% ويضمّ حوالي 1180 اطارا نسائيا سنة 2003.
وقد برز نجاح تونس في تحقيق تقدم المرأة في هذا المجال مشاركتها الفاعلة في اعمال المرحلة الثانية من القمة العالمية حول مجتمع المعلومات التي احتضنتها تونس من 16 الى 18 نوفمبر 2005 ، بما مكنها من التعامل مع المهن المستحدثة والجديدة ومواكبة مقتضيات الاقتصاد الجديد والمساهمة في نشر الثقافة الرقمية.
فدور المرأة التونسية اليوم يعتبر مقوّما اساسيا من مقوّمات التنمية وقيمة مرجعية ثابتة في الدورة الاقتصادية باعتبارها طرفا فاعلا يجسّم مفهوم المجتمع المدني المتوازن.
ذلك ان المرأة تمثل اليوم اكثر من نسبة 25% من القوى النشيطة بالبلاد في القطاعات المهيكلة، بينما تطوّر عدد النساء صاحبات المؤسسات الى اكثر من 10 آلاف امرأة، والعاملات في القطاع الزراعي 23% وفي القطاع الصناعي 44% وفي قطاع التجارة والخدمات37%.
وارتفعت في ذات الاطار نسبة تقلّد المرأة المسؤوليات بالوظيفة العمومية الى 23% فضلا عن تطوّر نسبة الصحفيات الى 34% والمدرسات في التعليم العالي والطبيبات الى 40% سنة 2004. وتتبوأ المرأة التونسية صلب السلطة القضائية عددا من المناصب الهامّة ابرزها وكيلة جمهورية ومديرة عامّة للمعهد الاعلى للقضاء ورئيس اوّل لمحكمة الاستئناف ورئيسات دوائر لدى محكمة التعقيب. وتبلغ نسبة النساء القاضيات 28% والمحاميات 31%.
ويرى ملاحظون أن مراهنة تونس على التعليم مكن نساءها من الارتقاء بطموحاتهن سقفا عاليا حيث تحتل مؤسسات صاحبات الأعمال في تونس المرتبة الأولى عربيا من حيث خلق فرص العمل وذلك حسب تقرير أنجز حول صاحبات الأعمال في 5 دول عربية وهى الأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين وتونس ولبنان وشمل 1228 امرأة .
تقول السيدة دلال كريشان مهندسة أولى ومديرة شركة الانطلاقة للبعث العقاري أن المشروع التحديثي ارتقى بالمرأة التونسية من مرحلة تكافؤ الفرص والمساواة الى مرتبة الشريك الفعلي وهو مكسب للمجتمع. والرجل التونسي عموما له من النضج مايجعله يدرك أن مساعي الرئيس التونسي للنهوض بالمرأة التونسية يندرج في اطار ايمانه بأن التنمية الشاملة لن تتحقق بمعزل عن المشاركة الفعلية والحقيقية للمرأة.
وتؤكد المهندسة دلال، التي تشرف على العديد من المهندسين في حضائر البناء القليلة التأنيث، أن مايميز الاشخاص في تونس هو الكفاءة والجدية وليس الجنس، داعية التونسيات الى عدم التخلي عن مواقعهن والسعي للحفاظ على مكاسبهن وتثبيتها وتطويرها خاصة أمام التيارات التي تحاول العودة بها الى الوراء.
يذكر أن هناك اتجاها يشجع النساء العربيات على الانسحاب من سوق العمل، بما في ذلك النساء اللواتي تؤهلهن ثقافتهن ومهاراتهن للإسهام بشكل ملموس في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو اتجاه يسير عكس النزوع نحو تزايد تأنيث القوى العاملة الذي أفرزته العولمة في أنحاء أخرى من العالم.
من جهة اخرى ونظرا للدور الهام الذي تضطلع به المرأة الريفية في توفير الدخل الاسري والحفاظ على الاستقرار العائلي وضمان توازن الوسط الريفي تنوعت البرامج والمشاريع التنموية الهادفة الى النهوض بمكانة المرأة الريفية التي تمثل نسبة 39% من مجمل التونسيات.
تقول زهرة الدريدي صاحبة مشروع بمحافظة سليانة أن الدولة أمنت بجدية مشروعها البسيط وبقدرته على المساهمة في الدورة الاقتصادية مؤكدة أنها استطاعت توفير مواطن الشغل لبعض فتيات المنطقة واكسابهن الخبرة في العمل.
وتشتغل زهرة على صقل وبيع الرخام وتطمح في توسيع نشاطها خاصة مع غياب المنافسة في هذه المنطقة الصغيرة.
وتتولى جمعيات تنموية، في اطار آلية دعم المشاريع النسائية الصغرى، مساعدة النساء الراغبات في بعث مشاريع على انجاز دراسة جدوى المشروع كما توفر لهن التكوين والتاطير والدعم المالي.
وتهدف هذه الجمعيات الى دعم المشاريع النسائية الصغرى، وتفعيل الاندماج الاقتصادي للمرأة المنتجة عبر تقديم الدعم المؤسساتي وتدعيم خبرات باعثات المشاريع في مجال الانتفاع بمصادر التمويل والتصرف واساليب تسيير مشاريعهن. وتعتمد هذه الآلية على شراكة بين وزارة شؤون المرأة والاسرة والطفولة والمسنين والهياكل والجمعيات العاملة في مجال اسناد القروض الصغرى.
يذكر ان الآلية التي أحدثت سنة 1998 تمكنت من تعبئة اعتمادات مالية باكثر من 600 الف دينار في نطاق التعاون الدولية وانها ساهمت سنة 2007 في ابرام عقود برامج لفائدة نساء باعثات مشاريع صغرى مع خمس جمعيات تنموية بقيمة فاقت 200 الف دينار.
وتهدف الخطة الوطنية للنهوض بالمرأة الريفية التي تم اقرارها من قبل الرئيس التونسي في 24 ديسمبر 1998 الى دعم مشاركة المرأة الريفية في التنمية الجماعية وتطوير مساهمتها في دخل الاسرة وتحسين ظروف عيشها والرفع من قدراتها وادماجها وتأطيرها. ولتنفيذ هذه الخطة ركزت الوزارة شبكة من اقطاب الاشعاع بجميع مناطق الجمهورية وهي فضاءات متعددة الاختصاصات لفائدة المرأة الريفية. اضافة الى الدور الموكول للجان الجهوية للنهوض بالمرأة الريفية.
وترأس 12 بالمائة من النساء المشغلات في مجال الفلاحة مشاريع فلاحية، ويمثل نصيب المرأة من جملة القروض المسندة من قبل الجمعيات حوالي 38 بالمائة وهذه النسبة تبرهن عن الحضور النسائي الهام في منظومة التضامن من خلال مكونات المجتمع المدني.
وإن الناظر في واقع تونس اليوم ليدرك حجم النقلة النوعية التي أدركتها المرأة التونسية في سائر المجالات كما ونوعا وهي نقلة تترجمها أرقام موثقة ومؤشرات عميقة الدلالة تنبئ عن إدراك هذا البلد العربي بجوهر التقدم الاجتماعي والاقتصادي ترتقي إلى المستويات التي بلغتها الدول المتقدمة العريقة على صعيد التحديث الاجتماعي والسياسي.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك